محمد حسين هيكل
120
حياة محمد ( ص )
وهم يجدون الخصومة دائما ناشئة على أشدّها بينهم وبين ذوي المال والجاه والسلطان ؛ لأن هؤلاء يخافون من كل جديد أن يجني على مالهم أو جاههم أو سلطانهم ، وهم لا يعرفون غير هذه الحياة حقائق ملموسة . كل ما سوى هذه حقّ إذا هو أدّى إلى مزيد منها ، باطل إذا بعث إلى أصحابها أيسر ظلّ من الريبة إزاءها : ربّ المال يرى أن الفضيلة حق إذا زادت في ماله ، باطل إذا حرمته إياه . وأن الدّين حق إذا عرف كيف يسخره لشهواته ، باطل إذا وقف في وجه هذه الشهوات وحطمها ، ورب الجاه ورب السلطان في ذلك كربّ المال سواء . وهؤلاء في خصومتهم لكل جديد يخافون منه ، يستعدون السواد الذي يفيد منهم رزقه على المنادي بهذا الرأي الجديد ، وهم يستعدون السواد بتقديس الصروح القديمة التي نخر السوس فيها بعد أن فرّ الروح منها . وهم يقيمون هذه الصروح هياكل من الحجر ليزعموا للسواد البريء أن الروح المقدّس ، الذي لفوه هم في أكفانه ، ما برح في جلاله بين محبس هذه الهياكل . والسواد ينصرهم أكثر الأمر ؛ لأنه ينظر قبل كل شيء إلى رزقه ، ولا يسهل عليه أن يدرك أن أية حقيقة لا تطيق أن تبقى حبيسة بين جدران معبد من المعابد بالغا ما بلغ جماله وجلاله ، وأن في طبع الحقيقة أن تكون حرة طليقة تغزو النفوس وتغذوها ، لا تفرّق فيها بين نفس سيد ونفس عبد ، ولا يقف نظام من النظم في سبيلها بالغة ما بلغت قسوته وبطش أصحابه في حمايته . فكيف تريد من هؤلاء الذين كانوا يتسللون لواذا يستمعون إلى القرآن أن يؤمنوا به وهو يؤاخذهم في كثير ممّا يرتكبون ، وهو لا يفرّق بين الأعمى ومن استغنى بكثرة المال إلا بطهارة النفس ، وهو ينادي الناس جميعا : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ ) « 1 » . فإذا ظل أبو سفيان ومن معه على دين آبائهم فليس ذلك إيمانا منهم به أو بحق يحتويه ، بل هو حرص على نظام قديم أقامه ثم أفاء الحظّ عليهم في ظلّه من بسطة المال والجاه ما يحرصون عليه ويحاربون الحياة كلها دونه . الحسد والتنافس وإلى جانب هذا الحرص كان يقوم الحسد والتنافس والتنازع مانعا من إقبال قريش على متابعة النبيّ . كان أميّة بن أبي الصّلت ممن حدّثوا عن نبيّ يقوم في العرب قبل ظهور محمد ، حتى طمع هو في النبوّة ؛ وأكلت قلبه الغيرة حين لم ينزل الوحي عليه ، فلم يرض أن يتابع من ظنه منافسه مع غلبة الحكمة على شعره ، حتى قال عليه السلام يوما وهذا الشعر يروى أمامه : « أميّة آمن شعره وكفر قلبه » . وكان الوليد بن المغيرة يقول : « أينزّل على محمد وأترك أنا كبير قريش وسيدها ويترك أبو مسعود عمرو بن عمير الثقفيّ سيدّ ثقيف ونحن عظيما القريتين » وإلى هذا يشير قوله تعالى : ( وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ . أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ) « 2 » . ولما استمع أبو سفيان وأبو جهل والأخنس إلى القرآن ثلاث ليال متتابعة في القصة التي رويناها ، ذهب الأخنس إلى أبي جهل في بيته فسأله : يا أبا الحكم ، ما رأيك فيما سمعنا من محمد ؟ ! فكان جواب أبي جهل « ماذا سمعت ؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف : أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تحاذينا الرّكب وكنا كفرسيّ رهان قالوا : منّا نبيّ يأتيه الوحي من السماء فمتى ندرك مثل هذه ؟ ! واللّه لا نؤمن به أبدا ولا نصدقه » . وللحسد والتنافس والتنازع في هذه النفوس البدوية من عميق الأثر ما يخطئ الإنسان إذا هو حاول الإغضاء عنه أو لم يقدره حق قدره . ويكفي أن نذكر ما لهذه الشهوات على النفوس جميعا من سلطان ، لنقدر أن التخلص من أثرها يجب أن يسبقه تهذيب طويل يصقل الفؤاد ويرفع حكم العقل على نزعات الهوى ، ويسمو بالعاطفة وبالروح إلى مرقى يجعلك ترى الحقيقة على لسان خصمك بل عدوّك هي
--> ( 1 ) سورة الحجرات آية 13 . ( 2 ) سورة الزخرف آيتا 31 و 32 .